محمد الغزالي
144
خلق المسلم
جدران السجن يذكّر باللّه من جهلوه ، ويبصر بفضله من جحدوه . يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ؟ . ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ، أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 1 » . وذلك شأن أولي الفضل من الناس ، لا يفقدون صفاء دينهم إن فقدوا صفاء دنياهم ، ولا يهونون أمام أنفسهم لنكبة حلت بهم . . . وإنك لترى شاعرا من الطامحين إلى أمجاد الدنيا يغالب الحرمان بالمغالاة في تفخيم نفسه فيقول مفتخرا بهمومه : أفاضل الناس أغراض لذا الزمن * يخلو من الهم أخلاهم من الفطن وما رأيناه في سير الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين يؤكد أن عظم المنزلة مع ثقل الأحمال ومعاناة الصعاب . وقد جاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن العبد إذا سبقت له من اللّه منزلة فلم يبلغها بعمل ، ابتلاه اللّه في جسده أو ماله ، أو في ولده . ثم صبر على ذلك ، حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من اللّه عز وجل » « 2 » . فكأن تكاثر المصائب إشارة إلى ما يرشح له المرء من خير ، وما يراد له من كرامة . وكثيرا ما تكون الآلام طهورا يسوقه القدر إلى المؤمنين ليصادر ما يستهوي ألبابهم من متع الدنيا ، فلا تطول خدعتهم بها أو ركونهم إليها . ورب ضارة نافعة ، وكم من محنة في طيّها منح ورحمات ! ! * * * والتريث والمصابرة والانتظار خصال تتسق مع سنن الكون القائمة ونظمه الدائمة ، فالزرع لا ينبت ساعة البذر ، ولا ينضج ساعة النبت ؛ بل لا بد من المكث شهورا حتى يجتنى الحصاد المنشود . والجنين يظل في بطن الحامل شهورا
--> ( 1 ) يوسف : 39 - 40 . ( 2 ) أحمد .